ابن أبي العز الحنفي

23

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )

" حَقَائِقَ " وَهِيَ جَهْلٌ وَضَلَالٌ . وَكَمَا يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَمَلِّكَةِ وَالْمُتَأَمِّرَةِ : إِنَّمَا نُرِيدُ الْإِحْسَانَ بِالسِّيَاسَةِ الْحَسَنَةِ ، وَالتَّوْفِيقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الشَّرِيعَةِ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ . فَكُلُّ مَنْ طَلَبَ أَنْ يُحَكِّمَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ غَيْرَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ، وَيَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ ، وَأَنَّ ذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَبَيْنَ مَا يُخَالِفُهُ - فَلَهُ نَصِيبٌ مِنْ ذَلِكَ ، بَلْ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ كَافٍ كَامِلٌ ، يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ حَقٍّ . وَإِنَّمَا وَقَعَ التَّقْصِيرُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَيْهِ ، فَلَمْ يَعْلَمْ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُمُورِ الْكَلَامِيَّةِ الِاعْتِقَادِيَّةِ ، وَلَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْوَالِ الْعِبَادِيَّةِ ، وَلَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْإِمَارَةِ السِّيَاسِيَّةِ ، أَوْ نَسَبُوا إِلَى شَرِيعَةِ الرَّسُولِ ، بِظَنِّهِمْ وَتَقْلِيدِهِمْ مَا لَيْسَ مِنْهَا ، وَأَخْرَجُوا عَنْهَا كَثِيرًا مِمَّا هُوَ مِنْهَا . فَبِسَبَبِ جَهْلِ هَؤُلَاءِ وَضَلَالِهِمْ وَتَفْرِيطِهِمْ ، وَلَبْس عُدْوَانِ أُولَئِكَ وَجَهْلِهِمْ وَنِفَاقِهِمْ ، كَثُرَ النِّفَاقُ ، وَدَرَسَ كَثِيرٌ مِنْ عِلْمِ الرِّسَالَةِ . بَلِ إنما يكون الْبَحْثُ التَّامُّ ، وَالنَّظَرُ الْقَوِيُّ ، وَالِاجْتِهَادُ الْكَامِلُ ، فِيمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لِيُعْلَمَ وَيُعْتَقَدَ ، وَيُعْمَلَ بِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، فَيَكُونَ قَدْ تُلِيَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ، وَأَنْ لَا يُهْمَلَ مِنْهُ شَيْءٌ . وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ عَاجِزًا عَنْ مَعْرِفَةِ بَعْضِ ذَلِكَ ، أَوِ الْعَمَلِ بِهِ ، فَلَا يَنْهَى عَمَّا عَجَزَ عَنْهُ مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ، بَلْ حَسْبُهُ أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ اللَّوْمُ لِعَجْزِهِ ، لَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يَفْرَحَ بِقِيَامِ غَيْرِهِ بِهِ ، وَيَرْضَى بِذَلِكَ ، وَيَوَدَّ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا بِهِ ، وَأَنْ لَا يُؤْمِنَ بِبَعْضِهِ وَيَتْرُكَ بَعْضَهُ ، بَلْ يُؤْمِنُ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ ، وَأَنْ يُصَانَ عَنْ أَنْ يُدْخِلَ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ ، مِنْ رِوَايَةٍ أَوْ رَأْيٍ ، أَوْ يَتَّبِعَ مَا لَيْسَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، اعْتِقَادًا أَوْ عَمَلًا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } ( 1 ) .

--> ( 1 ) سورة الْبَقَرَةِ ، آية : 42 .